الغزالي

182

إحياء علوم الدين

رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ، ثم يرمون به حيث رأيتم . وقد قال الله عز وجل ، * ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ إِلى طَعامِه ِ ) * « 1 » قال ابن عباس ، إلى رجيعه . وقال رجل لابن عمر ، إني أريد أن أسألك وأستحي . قال فلا تستحي واسأل . قال إذا قضى أحدنا حاجته . فقام ينظر إلى ذلك منه . قال نعم ، إن الملك يقول له انظر إلى ما بخلت به ، انظر إلى ما ذا صار . وكان بشر بن كعب يقول ، انطلقوا حتى أريكم الدنيا ، فيذهب بهم إلى مزبلة ، فيقول انظروا إلى ثمارهم ، ودجاجهم ، وعسلهم ، وسمنهم مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما الدّنيا في الآخرة إلَّا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر أحدكم بم يرجع إليه » مثال آخر للدنيا وأهلها ، في اشتغالهم بنعيم الدنيا ، وغفلتهم عن الآخرة . وخسرانهم العظيم بسببها اعلم أن أهل الدنيا مثلهم في غفلتهم ، مثل قوم ركبوا سفينة ، فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج إلى قضاء الحاجة ، وحذرهم المقام ، وخوفهم مرور السفينة واستعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة ، فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة ، فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع الأماكن ، وألينها ، وأوفقها لمراده . وبعضهم توقف في الجزيرة ، ينظر إلى أنوارها ، وأزهارها العجيبة ، وغياضها الملتفة ، ونغمات طيورها الطيبة ، وألحانها الموزونة الغريبة ، وصار يلحظ من بريتها أحجارها ، وجواهرها ، ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر ، العجيبة النقوش ، السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجدها ، وعجائب صورها ثم تنبه لخطر فوات السفينة ، فرجع إليها ، فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا ، فاستقر فيه وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار ، وأعجبه حسنها ، ولم تسمح نفسه بإهمالها ، فاستصحب منها جملة ، فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا . وزاده ما حمله من الحجارة

--> « 1 » عبس : 24